Search
  • Saba Almubaslat

أن تموت شامخا...

إنه خريف السنة... كما في كل سنة وقبل كل نهاية، دائما ما يأتي الخريف... حتى لو كانت النهاية لتداهم الروح قبل موعدها، لابد وأن يكون هناك خريف يمهد للنهاية، طال أم قصر... الطرقات باتت تتوشح بأوراق الشجر... معظم الأوراق قررت أن تسقط وهي لاتزال محتفظة بشكلها ومعناها.. بعض الأوراق تفضل الموت قبل أن تتهالك فتصبح بالية... يمنعها عنفوانها أن تنتظرحتى النهاية، فتنتحر عندما تشعر بالاصفرار! تسقط شامخة حيث تختبئ الجذور، نائية بنفسها عن الضوء... هذه الأوراق الآن باتت تدرك أنه لم يبق من سخاء الضوء الكثير... علّها تتوحد مع الأرض معرضة عن الحياة إلى حياة أخرى لا موت بعدها... هناك تحت الأرض حيث جذور الوجود تتمدد... تتلوى راقصة غير آبهة بتغير الفصول... باقية ما بقيت الأرض... والأرض تبقى مهما تبدل حال السماء!


السماء هي الأخرى تنضم لملحمية الخريف... تحتارُ أيّ وشاح تلبس.... أَغَيم بكثافة الحزن أم ضباب برقّة الكآبة؟ تَراها تراوح بين الإثنين بينما أصابع الشمس تمر خلسة من بين غيمها وضبابها، وكأنما تتوسل لهدنة بين الوقت والمكان... علّ الخريف يغفرُ فيمر دون أن يكون! لكن.... لا محالة... ليس هذا وقت هدنة! تعزم السماء أمرها... يصبح الغيم كثيفا كثيفا كثيفا بقدر فرح الصيف وضحكاته... وتجهش السماء في البكاء، غفّارة عن كل ليال الصيف ومَرَحهِ... تتساقط دموع السماء وكأنّها تُوقن أنّ الخريف أتى ليعلن أن النهايات باتت وشيكة...


أقف تحت المطر لا أبالي بما أصاب روحي من بلل السنين.... أتساءل لوهلة إن كان للمطر لغة... أتُراه يتساقط بالعربية في وطني، أتراه يتكلم الأنجليزية لتقبله مياه نهر التايمز في لندن؟ أم تراه غريب ديار كما أنا والروح والجسد؟ أية لغات تراه يتقن المطر؟


يبدأ الناس من حولي في المشي سريعا ثم يسرعون أكثر... يهرولون هم وكأنّما في محاولة لتفادي الخريف الذي داهمهم دونما موعد.... أُبطئ المشي أرقبهم... مالذي يحاولون الفرار منه؟ أهو الوقت؟ أتراهم يحاولون أن يهربوا من "الآن" لما كان قبل؟ هل حقاً يريدون أن يفروا من قبضة الخريف؟ أيريدون تجاوز المطر وكأنه غريب يحاول التسلل من بين ثنايا الثياب إلى الأرواح الهائمة؟ أهو ضباب اللحظة ما يخشون؟ ألا يدركون أن حياتنا ما هي إلا نفق بين وضوحين؟ لابد من عبور النفق... لا تهربوا إلى ما كان، بل امضوا بهدوء، علّ كل قادم يصبح "الآن" حتى تكونوا! اعبروا نفق الخريف بخشوع، فلا العودة للوراء ممكنة، ولا الوقوف في مساحة التنازع ما بين الاستسلام والاستمرار ممكنة! العيش المتناهي في "الآن" هو الممكن الوحيد! المضي في الزمن والبقاء على قيد الحياة هو فعل اختيار.. لابد وأن نختار اتجاهاتنا من بين مجموعة من الظروف... أن تدرك أنك إنسان مفرط "بالعادية" ومفرط بالمعاناة، لكنك وكما ورقة شجر تسقط شامخا، قبل الاصفرار المُطلق... هذا ما يجعلك جدير بمعاناتك... قادر أن تعلو فوق القدر...


السماء الآن مفرطة في بكائها... وأنا أمشي قُدما نحو الآتي من الوقت، ما أن أصل اللحظة المستقبلية حتى تحال "الآن"... أمشي أمضي بهدوء...محاطة بالكثيرين الذين يهربون من الوقت والزمان وكأنما يريدون الاختباء من الحياة لحين يجدوها فيعيشوها من حيث أوقفوها فلا يفوتهم من الزمن شيء! أبتسم وأدرك ان عُزلتي لم يصنعها ما ينقصني... إنها نتاج ما لا وجود له في مكان مزدحم بالأجساد ومطر غريب اللغة! أتابع الابتسام بقبول وليس بسخرية، فمأساة الإنسان تصبح أكبر حين يسخر منها. أمضي عل الطريق وكأنه صار خطا ممتدا يوصلني لما ينتظرني وراء الخريف... أمضي على الزمان إلى الأمام بينما هم يختبؤن منه تحت مظلات المحال والذاكرة... أمضي وكأني صرت أنا المكان ومطره وأنا الزمان... أمضي أحاول أن أصل إلى حيث تلتقي كل الأزمنة والأوقات فأكتمل لا أعود أبحث... أصير الإنسان... فإن أنت صرت إنسانا أي شيئ آخر سيكون بوسعك أن تكون؟؟؟





59 views2 comments

Recent Posts

See All