top of page
Search
  • Saba Almubaslat

البَابُ ومَسَارٌ لَمْ يَبْدَأْ

لم أكن يوماً ممّن يخشَونَ الموت. أنا أراه أحد الحقائق الأقل جدلاً… هو نهاية طبيعيّة لبداية غير طبيعيّة تسمّى الميلاد. يأتي حين يُقَدّر له ذلك… لا ننكره لكنّا نتنكّر له… نعلم حتميّته لكنّا أبدًا لا نكون مستعدّين له! على الرّغم من أنّه الباب الوحيد في نهاية المسار، إلا أنّا نفعل كلّ ما بوسعنا لنحيد بالمسار يمينا وشمالا… صعودا وهبوطاً… فلا يكون مِنّا إلا أن نجد أن المسار مهما التوى أو طال، هو يأخذنا لذات الباب… للخروج من هذا الهنا المؤقت لما هو بعد… إلى حيث المجهول ممتد بلا نهايات والمسارات أثير سرابي بلا أبواب أو مخارج! في وقفة قريبة من باب أحدهم، وجدْتّني أرتجف… أحاول رغم ما أعرف من حقيقة أن أمدّ ما تبقّى من مساره لأُباعِدَ بينه وبين بابه… وجدتني أتصرف برعونة من يعتقد بأنه لذلك يستطيع… تارة أجالس المسار وأثقل الوعود له بالعطايا إن هو طال، وتارة أركع فوقه شاكية عجزي وضعفي… وأخرى راجية بالدعاء والدواء وما ملكت يدَيّ وروحي للدفع به للأمام بمزيد من عطاء! والمسار يرقبني لا يتنفس… لا يتمدّد… لا يطول عن قدْرِه أُمّلةٍ ولا يقصر… فقط يرقبني وحال خطاه يقول ستصل الخطى ذاك الباب بأوان! بعد أن أرهقني صمت المسار، افترشته وقرّرْتُ أنْ أصاحبه وأسراره، فهو الأكثر ثباتا من كل ما ومن عرَفت ليومي هذا. ثباته هدّأ من روعي… أعاد لأنفاسي انتظامها ولعقلي التعب منطقه… وجدتني قد توقّفت عن محاولاتي البائسة بالاحتيال عليه… أصبحت أريد أن أفهم سبب تصرفي اللامنطقي رغم ادّعائي بإدراك حقيقة المسار وطبيعيّة الباب في نهايته… هل أنا أخشى الموت؟ هل حقًا أنا من الغباء بمكان أنّي أعتقد بإمكانية الالتفاف حول المسار؟ بدأتُ أُعيد التفكير في التفكير… أبحثُ ما وراء المنطق عن منطقٍ يفسّرُ هشاشتي رغم المعرفة… والمسار ثابتٌ على صمته لا يجيب… ليالٍ طويلة من السهر النّعِسِ والعتم الممتد أطول من ساعات الليل… والصوت الرّتيب المنضبِط لعقارب ساعة على الحائط، تلك التي رافقتني وكأنما لتقول لي أنها لا تتوقف… لا تتأخر… لا تستعجل.. أن حزني وغضبي لا يعنيها بشيء… كما كلّ الدنيا وما فيها… لا تتوقف… تمضي وكأن ما بي لا يثير حفيظتها… أخذني الكثير من الوقت والدمع والأرق والاستسلام الشرس لأدرك أنه ليس الموت ما أخاف… أن المسار ليس هو من أخشى… أنّي موقنة بحقيقة الباب وانتهاء الهنا….

كل هذا الوقت الذي طال فِيّ تَرَقٌباً وتحسٌباً، رغم أنه لم يطول، جعلني أُدرِكُ حقيقتين:

أنا كل ما أخشاه هو الفراق… أنا كل ما أخافه الغياب… لهذا كان دوما الخوف والخشية من الاقتراب… أن يفارقك أحدهم فلا يعود من الممكن أن تناظِره ولهاً ولهفةً لمرّةٍ أخرى أو أخيرة… أن يرحل أحدهم، فلا يكون هناك في مكانه ليستقبلك حين تعود فاتحاً يديه وقلبه ليضمك إلى ما تبقى لديه ولديك من وقت… أن يغيب أحدهم قبل أن تقول له آخر الكلام.. كل الكلام ،وأجمله…

أنا ما لم أستطيع إدراكه حتى اللحظة هو الوقت… الزمن… امتداد الثواني وانكماشها… نحن لا نملكه! لا نملك منه شيئا ولا حتى هذا الان الذي نعيش… هو ينتهي لحظة الوصول إلى الباب… ما نزّين به معاصمنا من ساعات والمنضدة جانب السرير من منبهات، تخبّرنا بما انقضى من الزمن وليس آتيه… نحن لا نملك من الوقت شيئا…

إن نحن غلبنا الخوف من الفراق فلنقل كل الكلام.. ولنضمّ من نحبّ وكأننا لهم مفارقين… نحن لا نملك الوقت، فهو شحيح… فلنقل كل الكلام… أجمله… ولنمشي المسار وكأن الباب أمام كل خطوه… المضحك المبكي ليس أنه لم يبق في جعبتنا الكثير من الوقت، بل أن الوقت انتهى قبل أن يبدأ.




41 views0 comments
Post: Blog2_Post
bottom of page