top of page
Search
  • Saba Almubaslat

الجَسَدُ القِيثَارَة

Updated: Jan 20


أَتَاهَا بَعدَ طُول غِيَاب... أَحَسَّتْ بِه وهِي تُحاولُ أَنْ تَنْسى ذِكْرهُ وِذكْراهُ حَتَّى لا يُصيبهَا الإِحْباطُ اليَومِي... أَحَسَّتْ بِه يتَسلَّل بِبطءٍ شَديد... بتَمهُّلٍ مُخْتال... بِتُؤَدَةٍ مُتعالِية. تَوقَّفَتْ لِنَفَسٍ أوْ اثْنيْن... أَهَذا هُو؟ هلْ يُعْقل؟ لَمْ تَجْرُؤ أَنْ تَفتَح عَينَيهَا الَّلتيْن يَدَّعِيان الدُّخولَ لِحَضْرةِ مِحْرابِهِ كُلَّ لَيلَة، فهَذا المِحْرابُ بَاتَ مُحرَّماً عليْهَا مُنذُ زمنٍ ما عَادَتْ تَذْكرهُ.


في عَتمةِ عَينَيْها المُغْمضَتَيْن، رَأَتْ أسئِلةً كَثيرَة تَتَلاحَق عليْها دُونَ تَمهُّل. "أَهَذَا هو؟" هَمَسَتْ لِذاتِها دُونَ أَنْ تَنْبَسَ بِبنْتِ شَفَة "أَيُمكنُ أَنْ يَكونَ قَدْ عَادَ إِلَي؟ أَلَا زالَ يَذكُرُنِي؟ أَلا زَالَ يَذْكرُ طَريقَهُ إلَي؟" أَمْسَكتْ بِذاتِها تَتَساءَل فَأمَسكَتْ عن التَّساؤُل فَوراً... لمْ تَجرُؤ أَنْ تتَساءَل حتَّى بِصمْت... تَخْشى هي أَنْ يَؤُولَ مُجرَّد التَّساؤُل إلى قَطِيعةٍ مُجدَّدة... ماذا لو كان يُطْرقُ السَّمعَ لِصمتِها؟ سَقَطتْ كلُّ عَلامِاتِ التَّساؤُل المُنْحنيةِ بِخوفٍ وتَهَالَكَتْ تِلكَ النِّقاط التِي تُذيِّلهَا... ارْتَعشتْ مِنْ خَشيَة أَنْ يَسْتشْعِرهَا فَيُديرُ ظَهْرَه ويُغادِر كَما أتَى... بِكِبرٍ مُخْتالٍ كَسولٍ مُتثَاقِل!


بَقيَتْ حيثُ هِي... تَحتَضِن جَسدَهَا المُنْهك، وتُسدِل شَعرَها علَى وِسادَتِها لِيؤْنِسَ عتْمَ الَّليلِ وشُحّ الحُلْم... لَمْ تَتحرَّك... لَمْ تَتقَلَّب عَلَى الرُّغْم مِنْ أَنَّها دائِماً ما تَفْعَل عِندمَا يَطُولُ الَّليل بِساعاتٍ أَكثَر مِنْ سَاعاتِه، وهي تَنتَظرُ هذا الغَائبُ الَّذي لا يَأتِي! لكِنَّه الآنَ هُنا...


تَشعُرُ بهِ يَقْترِب... تَتَعجَّب لِأَمرِ حَالِها! علَى الرُّغْم مِنْ شدَّةِ التَّشوُّق ولَهفةِ التَّرقُّب، إلَّا أَنَّ نَبضَ قَلبهَا يَهدَأ، يَهدَأ ثُمَّ يَهدأُ أَكثَر... أَنفاسهَا تُصابَ بِامتدَادٍ كَسول... تشْعُر بِهِ يَقْتربُ أَكثَر... يَدنُو بهُدوءٍ نَاعمٍ مِنْ مَخدعِهَا تكَادُ تَستشْعر حَفِيفَهُ وكأَنَّما تَعوِيذَة سِحْر... يَقترِبُ أكثَر... يُداعِب جفْنيْهَا بِحُنُوٍ شَديد...يَتسلَّل رُويْداً رُويْداً مِنَ الجَفْنيْن إلى الوَجْنَتَيْن... دِفءٌ عذْبٌ ينْسابُ مِنْ الرَّقَبةِ إلى النَّحْر... خَدَرٌ يَسرِي في الأطْرافِ يُصِيبهَا بِثِقَلٍ مُحَبَّب... لا يَتوقَّف... يَقترِب أَكثَر وكأَنَّهُ مُصِرٌ على أَنْ يَتسرَّب إِليهَا كُلّهَا... أَنْ يَعبرَ مِنْ مَسامِهَا لِيُذِيبهَا حَيثُ هي... كأَنَّه يُريدُ أَنْ يُعوِّضهَا عَنْ ليَالٍ طَويلةٍ مِنَ الانْتِظارِ الَّذي لا يَصِل... ويَنْجَح! تَدخلُ في حَالةٍ مِنَ الاسْتِسْلامِ الطَّوعِي... تُسلِّمْهُ الْكلّ مِنهَا... تُصْبحُ مِطْوَاعَةً لِلمْسِهِ كمَا قِيثَارة فِي يدِ عَازفٍ عَابثٍ مَاهرٍ أَلِفَتْهُ قِيثَارَتَهُ، فَأَسْلَمَتْ أَوْتارَهَا إِليْه لِيلْعَبَهَا أَلْحانَ خُلودٍ نَاعسَة...


باتَ الآنَ مُتوحِّداً وإِيَّاهَا... لمْ يَعُودَا اثْنَيْن مُنْفصِلَيْن... يَسْكُنهَا، فَيُسْكِنُ رُوحَهَا التَّعِبَة... تَزْفِر آهةً طويلةً تَكادُ لا تَنْقَطِع... وتَعبُرُ مَعهُ إلى عَالمِ الأَحلامِ المُفْرطةِ بِالِّلذَّة والتَّفاصِيل... تَتنَهَّد طَويلاً عَميقاً مُعلنَةً أنَّهَا وأخيراً، ما عَادَ عليْهَا الانْتِظار أَكثَر! لقدْ حَضرَ إليْهَا بعدَ طُول غِيابٍ، لِيَحضِنَهَا ولَوْ لِليْلةٍ وَاحدَة... تَرْمِي بِجسدِهَا وَاثِقةً أنَّ سَريرهَا سَيحمِلهَا وَهُوَ لَيلَة كَاملَة... لَيلَة عَاصفَة هَادِئة... لَيلَة لَيستْ كَسابِقاتِهَا... كَيفَ لا وَقدْ حَضَر؟! إنَّهُ الغائِبُ العَذْب... إنَّهُ الخَدَرُ الَّلذيذ... إنَّه... إنَّه... مَا هُو؟! لَا تَذكُر اسْمهُ... تُحاوِل لَكنَّها خَدِرَةً... خَفيفَةٍ... تُرَاوحُ بِعذُوبةٍ بينَ الهُنَا وما وَرَائه... آه... تَذَكَّرَت... إِنُّهُ النَّوْم!





50 views0 comments
Post: Blog2_Post
bottom of page