top of page
Search
  • Saba Almubaslat

الحقيقة....

الحقيقة لم تُخلق لتُقال.. هي ما عليك أن تبتلعه حد التسمم وتُسكِته قسرا حتى يختنق بِدَكّ الأيام المليئة بالمعاني المزدوجة و الابتسامات التي تعتلي وجوه المقهورين... الحقيقة تصيب من حولك بالصمم... تؤذيهم حدّ تجريمك أو رفضك أو الابتعاد عنك بصمت كما أتوا. ما الحقيقة إلا وهم يتراءى لنا في ساعة صفا يخون فيها العقل ذاتك فتعتقد أن لك حقا في أن تكون متسقا مع تلك الذات.


أنت صُممت لتعيش في عالمين... أحدهما داخلي، إن كنت واعيا سيخنقك وهو يصرخ في وجهك أن تمض واحدا مع ما تفكر وتؤمن وتصدق! أم الآخر؟ ذاك الآخر!!! خارجي تتحرك فيه بحرية مكبلة... يتوالد كل لحظة ألف ألف مرّة منقسما على ذاته ومنتجا عددا لا محدود من الاحتمالات أنت فيها كلها لكن لا سيطرة لك على أي منها! هذا الخارج وما يلد من وجوه، هذا هو الوهم الذي عليك أن تسكت داخلك أو حتى تخنقها لتصدّق أن كل ما ومن فيه هو الحقيقة.


عليك أن تكون أعمى ليهبك عينيه... أصم ليسمعك ما يريد من الأصوات و أخرس لينطقك بما هو لائق... شرط المضي فيه هو أن توقع عقد بيع للروح لكل إنسه الشياطين. وأن تسلّم مصيرك لمخالب الوحوش المبتسمة لتنهشك وتمضغك لتبصقك فتعود وتتشكل أكثر قدرة على عيش الوهم!


وبين الوهم والوهم نولد لنموت ونولد من جديد أقل بشرية... أكثر تبلدا وتهكما على الشعور... أكثر رفض للحقيقة التي تقرع جدران الجسد الداخلية صارخة فينا أن نبقي على القليل من آدميتنا.... طوبى لمن أفلحوا فخنقوا صوت الروح في الجسد ليعيشوا الوهم المتجدد، حيث ما هم إلا أوعية بالية لفكرة كانت في يوما ما تشبه الإنسان!


إن تمرد أحدنا على وهم الحقيقة خارجه فداءا لحقيقة غير كاذبة في داخله، فتلك لتضحية ما بعدها نجاة... مما أراه، أكاد أجزم أنا ندرك أن الكذب خداع، وأنا الحقيقة ليست كذلك لكن كلاهما كفيلان بأن يخدعانك... الأول بتصوير وهم بأبعاد ثلاث لا يمكن لمسه أو هدمه إلا بمزيد من الكذب.. أما الثاني فأكثر قسوة... هو يخدعك عندما يجعلك تظن للحظة أنك تستطيع... يخدعك حين يجردك من القدرة على التلذذ بالكذب، لتدرك أنه لا يوجد خارجنا إلا محاكاة رديئة لنا!! ونبحث عن مصابين آخرين بعضال الحقيقة لنجد أن الحقيقة لا يصاحبها إلا قلة... وهذه القلة في الأغلب تنتحر! تضحك بسخرية عندما تدرك أنه وعلى الرغم من تناقض الوهم والحقيقة أو لنقل الكذب والحقيقة، إلا أن كليهما يودان لك الهلاك... من أجل لا شيء... وأنت ايهما اخترت فتفعل مدفوعا بإرادة النجاة... من أجل ماذا؟ من أجل لا شيء تقريبا!!


أيهما تبعنا... ندرك في لحظة أنا ندور وندور، ثم نتوقف في مكان لا نتوقع فيه شيئا ... وننتظر... ننتظر لمائة عام أو حتى للحظة، أن تولد... متناسين أن مائة عام تموت في لحظة تماما كما تموت لحظة في لحظة. كما الزمان، أجزم أن المسافات وهم آخر... هي لا تعني شيئا، لأن كلها هنا... كل شيء هنا! في الداخل، حيث كلما اتسعنا ضاقت بنا الأضلع حتى تكسرنا... إذا ما أدركنا وهم الحقيقة وحقيقة الوهم ومراوحتنا المستمرة بينهما... ستولد أعيننا للحظة... ستبكي... وستكون أجمل العيون... أكاد أوقن أن أجمل العيون هي تلك التي أبصرت فبكت لأول مرة... في لحظة تقف فيها أنت "الكل" بين العالمين على حافة الجسد... عين على الداخل وأخرى على الخارج ... وعين البصيرة ترى هول التناقض وتدرك أنه لا مكان لحياة كاملة في أي من العالمين... عندها للحظة، تتساوى كل الأشياء.. الحق والباطل.. النور والظلام ... الوجود والعدم.... فتولد بعد مائة عام من المخاض لتعيش لحظة وتموت كما ولدت... في لحظة!

78 views0 comments
Post: Blog2_Post
bottom of page