Search
  • Saba Almubaslat

الرقص على إيقاع الصمت...

Updated: Mar 10

أنظر إليها وهي تتمايل راقصة بنشوة من يمارس خطئية الأحلام في عز اليقظة... تخال جسدها حال كالماء... ينساب يتراقص برقة نور يجد طريقه من بين ثقوب صغيرة في نافذة دهنت بسواد الليل... ترقص دون حياء... تتلمس جسدها، لا أدري إن كانت تداعب نفسها لتنتشي أم تحاول التأكد من أن هذا الجسد لا زال هنا ويوجد... هي عابثة بكل تأكيد... مدركة أن بفعلها هذا هي تشعل نار ذاك الذي يرقبها من وراء حجاب... أو قد تكون جاهلة تماما لا تعلم ما لوقع أناملها على الجسد من شدة ولا تدرك أن في لمس كل أمّلة ذاك المراقب يزداد نارا يكاد يحال رماد...


تستمر في الرقص... تكاد أصابع قدميها لا تلمس الآرض... وكأنها تتجنب أن تدوس زجاجا تناثر على أرض حياتها... أنظر عن كثب... أراقبها وأراقب ذاك الذي يراقبها... لا أدري إن كانت نشواها قد أخذتها لارتفاع عال ما عادت فيه تدرك ما يحدث، أم إذا كانت تهندس لهذا الاستفزاز الحسي المقصود لمن يراقبها ولمن يراقب من يراقبها... تستمر في الرقص... ترفع ذراعيها للسماء توشك أن تلمس النجوم... والجسد يتمايل مع سدال الشعر الغجري الطويل... وكأنهما قررا ألا يتفقا... كلما مال الجسد في اتجاه، عاكسه شلال الشعر الغجري فسار في اتجاه آخر... أحاول أن أفهم... هل تخاصما في زمن ما قبل أن تعلن هي ثورتها رقصا؟ أم تراهما يحاولا أن يوازنا وقع النشوة على روحها فيبقياها هنا على الأرض حتى لا تأخذها نشوتها لحيث تحيل اللذة الأجساد المتحررة إلى رماد...


تستمر في الرقص... تدور تدور تدور... ذراعيها تمسكان حبال القمر وأصابع أقدامها تطأ الأرض بخفة متناهية... يداعب الخصر وقع اللحن.... لحن حزين من كثرة غضبه يكاد يكون في قمة الهدوء... لحن ملائكي... لأدري إن كان يأتي من الخارج أم يولد منها وهي تتأوه نشوة من فعل الرقص المستمر... أحاول أن أتتبع مصدر النغمات... لا أجده... فالليل قد غلف الكون، أو أقله كونها هي... الجميع خارج محيطها نيام... لا يساهر هذا الليل إلا هي وأفكار لا تبوح بها ولا حتى لذاتها... لا أجد للحن مصدر.... لابد أنه ينبعث من جسدها... لكن على ما ترقص إن كان اللحن لا يحدث إلا بعد أن يتحرك جسدها؟ من منهما يلد الآخر، أيلد جسدها لحن النشوة، أم ترى اللحن هو ما يحرك جسدها رقصا حد النشوة؟ لا أدري!!


تستمر في الرقص... مهلا أرى وكأن النغم بات ينهال من عينيها دموعا... هل هي تبكي موسيقها؟؟؟ لا أدري، لكن أشعر فجأة بخشوع عجائبي! من تكون تلك التي نذرت لليل نفسها فرقصت على موسيقها ورقّت فطالت القمر لكن الحياة لم تطول؟ من تكون تلك المكبلة بحرية الشمس أثناء النهار والحرة المنتشية ليلا خلف وثار العتم والنوم والسهاد؟


تستمر في الرقص... وتعلو موسيقاها وتجزل عيناها بالبكاء سخاءا... تتلمس تتحسس جسدها وكأنها تعلم أن ضوء الشمس قارب على البعث من رحم الليل... تسرع الخطى في الرقص أكثر... تدور تتمايل وكأنها على وشك أن تمسك قمة اللذة بنبض التنفس... وكأنها قاربت على أن تكتمل وتكون... أسمع نبض قلبها... نفسها بات جزءا من موسيقاها ولكن بِتِمبو عنيف... تكاد تكون كمن يسابق الوقت تريد أن تبلغ منتهاها قبل أن يعتدي النهار على ليلها....

أشعر وكأني أحبس أنفاسي... عين عليها أكاد أصرخ بها لا تتوقفي عن الرقص... بات بينك وبين كمال اللذة والانعتاق نغمة أو اثنتين! وعيني الثانية تنظر شرقا... أكاد أقسم أن الشمس انتهت من مخاضها وأنها باتت على وشك أن تشق رحم الأفق فتولد... من منهما سينتصر؟ انعتاقها نشوة أم انبعاث الشمس؟ أنظر ... أسمع نبضي يكاد يصم أذني... أشعر وكأني سأختنق من شدة الارتقاب والترجي... لاأدري لما قررت أن أقف في صفها.. لاأدري وهي الغريبة عني لما أريد لها أن تهزم الشمس فتنتشي...


تبطئ الخطى... أنهكها صراعها مع الليل... وما عاد في الليل بقية... وفجأة يولد أول خيط من خيوط يوم جديد... ويبدأ الليل بالتقهقر منهزما وراء شعرها... يثقلها سواد الليل... تبطئ أكثر... يتسلل خيط آخر من شمس اليوم... تـسقط ذراعاها فحبال القمر أحرقها ضوء الفجر الوقح... ما عادت تقوى على الاستمرار... تبطئ أكثر أكثر أكثر... ثم تسقط قبل القمة بنغمة أو نغمتين... تسقط فوق أرض يوم جديد...

متعبة من كل أشباه انتصارات الليل... موقنة أنه في الحياة ليس ثمة نصف انتصار... أو نصف لذة... أو نصف حرية... تستسلم لوقع يوم جديد... تترك ساحة المعركة... تنهض من فراشها الذي برد فجأة مع اشتداد وهج اليوم... تتصرف وكأنها نامت الليل الطويل... تلم شعرها للوراء وتشده بإحكام وكأنها تؤلمه متعمدة حتى يتذكر أنه لم ينتصر... وتلبس وجهها النهاري العادي... وتذهب لتنجح كما تفعل كل يوم في معركة يرسمها لها النهار... حيث تكون مكبلة بحرية الشمس!



25 views0 comments

Recent Posts

See All