Search
  • Saba Almubaslat

الرّحّالون

كيف وَصلتُ إلى هنا؟ هل يُعقل بعد كل الطرق التي ارتحلت والأماكن التي إليها سكنت، أن أكون هنا؟ ولكن، مالذي يمنع، أو يجعل هذا الهُنا مُستهجناً؟ أو غريباً؟ في الحقيقة، لا شيء!


هذا الهُنا هو كَكُلّ ما كان قبله، أو -إذا كان هناك بقيةً من دربٍ- هو كأيٍّ مما سيأتي بعده. تختلف التفاصيل في المدن، ولون الوجوه، وشقاء الملامح والسعي نحو البقاء على قيد التنفس، ورائحة الخفايا من الأمور في زقاقات الشوارع، وبكاء الغروب، وتنفس الصبح الوليد، وصوت أنين المطر فوق الشبابيك المغلقة... لكنها كلّها متشابهة لا تختلف.


حتى وإن كان لكل مدينة رواية، إلّا أنّي ما أن أُقحِم وجودي الإنسي داخل المكان، أراه لا يتغيّر... تبقى روايته هي ذاتها تكمل نسج نفسها من بقايا خيوط الحياة لمن هُم فيها... أحاول أن أمسك بأي خيط لأنسج ذاتي فيه ومعه، فأجد الرواية تدفعني بحنوٍّ أحياناً وأحياناً بفظاظةٍ إلى هامش نسيج القصة، أو أسفلها حيث تضع الرواية ملاحظاتها العابرة... تلك الملاحظات التي لو غابت، ما تأثر النص ولا النّسج... وعل الرغم من قلّة ما تقوله تلك الملاحظات، إلا أنّها مع ذلك تُوضَع هناك لتقول ما يمكن الاستغناء عنه!


قصص البيوت وروايات المدائن مكتوبة منذ ولادة حجارتها واستيقاظ قاطنيها من حيث كانوا قبل الوجود. أنا القادمة إليها وإليهم من ذاكرة الترحال، لست إلّا مجرّد عابرة كغيري ممّن أتوا وسيأتون! رواية المكان تستمر ليست آبهة بمن أتى وغادر، أو من سيأتي ليحلّ بين ظهرانيها بعض عمر ونيّف قبل أن يغادر.


الرّحالون يسمعون كل ّالقصص، وهمس الشوارع وهمهمات المقاهي بعد أن يهجرها من جلسوا إليها. هؤلاء الرّحالون أبداً لا يمكثون في مسام المكان ما يكفي من العمر ليصبحوا شخصية في روايته، أو حتى حجراً في جدار قديم مبنيٌّ من ذكريات من مرّوا على خطّ ذاكرته.


الرّحّالون يحضرون في حقيبتهم من كلّ مكانٍ بعض رواية أو متناثرا من أحداث، يقدّمونها قرباناً لمكان يقفون به، علّه يفتح لهم أبوابه ولو مُوَاربة ليحِلُّوا به قليلاً فيمسي ملجأً من طول الترحال، فيُداوون به طول المشي بين القصص. لكن الأماكن لا تكتفي بقربانٍ واحد، والرّحّالون يمشون خفيفي المتاع لا يحملون من القرابين ما يكفي لإشباع نَهَم الأماكن لمزيد من قصص.


الرّحّالون يحملون معهم من كل مكان جملة حب، نغمة شجن، ورقة سقطت من دفتر عمر أحدهم، وقلب دقّ وماج صمت بعد أن كُسِر... هم يتركون شيئاً من بعض ما تبقّى منهم في كلّ مكان، يقدّمونه عندما تشحُّ القرابين ولا يبقى لديهم إلا الجسد والذاكرة وبعض عمر.


الرّحّالون يَروُون عند بلوغ النهاية، قصّة واحدة تروي كل الأماكن، لكنّهم أبداً لا يكونون جملة أو حتّى فاصلة، في قصة أيِّ مكان!



61 views0 comments

Recent Posts

See All