Search
  • Saba Almubaslat

القصة من المنتصف

بعض القصص تبدأ من المنتصف… وبعضها حتى قد يأتينا والنهايات قد كُتبت… ومع ذلك نرى فيها ما يشبهنا فنعيشها محاولين أن نجعل ما سرقنا منها قصة لنا… بين الحين والآخر يلحّ علينا أبطالها أن نغادرها… أن لا نتطفل على تفاصيلهم وما رووه من الأحداث… أن نغادر جراحاتهم علّهم يلأموها فتبرأ مع مرور الوقت وولادة الأيام… أن نترك في القادم من المساحات وزوايا الأماني ما قد يسمح لحلم جديد بأن يسكن ليكبر و يطلع عليه صباح يبثّ فيه من نوره حياة. ويشتد الإلحاح يحاصرنا… يأتي عندما يستيقظ الضمير ليخزنا من الداخل في محاولة لإيقاظ حواسنا علّ أعيننا تنقلب إلى دواخلنا فترى أنين الضمير وهو يستصرخنا أنّا أتينا منكرا… أنّا اقترفنا إفكا بوعي مع سابق الإصرار والتفكّر….


همممم…. تطرق الرأس… لا تستطيع النظر حولك أو داخلك.. أنت مدركٌ أيما إدراك أنّك غير متّسق مع ما تؤمن به من مبادئ أو قيم… أنت تفعل تماما ما تكره ومع ذلك فأنت تحب ما تفعل… تحاول أن تفسر وتدلّل على شرعية اغتصابك لقصة أحدهم… من كل الإمكانات لحيوات كانت في حقيبة الاختيارات المتاحة، لماذا تراك ضربت بها عرض العدم واخترت أن تسرق قصة أحدهم... حياة أحدهم... لتزج نفسك في منتصفها وتدفع به عنوة خارجها؟ هل هو تصرف مدفوع بالرغبة بما هو مُحَرّم؟ أن تشتهي ما هو بيد أخيك الإنسان؟ أم هو في الحقيقة إقرارمنك بأنك لا خيارات أمامك... لا حيوات متاحة ضمن الإمكان لتقوم بفعل اختيار؟


نحاول فلسفة الأمر حد الاختناق، لكنّ عيوننا لا تكذب… هي ترانا على حقيقتنا… تراوح في محجريها… تدور تدور… تفر من المركز ذات اليمين وذات الشمال، محاولة أن تهرب، لكنها مقيدة في النافذة لا فرار. يفزعك كيف تحدّقا بك… تحاصرانك بالمطلق… مالحل؟ كيف السبيل إلى إسكات هذا التحديق؟ يعلو صوتهما، في محاولة منهما لإيقاظ الضمير من سباته المختار… يحاصر الصوت الضمير فيصغر خجلا، يختبئ في زوايا الروح.. فتئن الروح تحت وقع الثقل… ثقل الضمير المحمل بخطيئته، وما خطيئته إلّا المولود غير الشرعي لما اغتصبت من سطور القصص استعارة وما تناولت منها من منتصفه لتكمل روايته وكأنك من بدأته….


أين المفر؟؟ أين المهرب منه هو ذاك الصوت والضمير و ما هما إلاّ أنت؟ إن لم تكن القصة من صنع فكرك، فكيف لك أن تعيش في هوامش الكتاب حيث الكتابة لازالت قيد التشكيل؟ إن كانت الكلمات تُنظم قبل خطاك وأنت المفعول به القابع في الهوامش مطلوب منك أن تمشي على وقع الأحداث التي رُسمت بيد مبني للمجهول، فهل لك أكثر من أن تعيش ارتدادات من يعرب موقعك في الهامش؟


هل في الهامش ما يكفي من مساحات لنكتب قصة نرتضيها؟ أم أن الهوامش لابد لها أن تثور على النص حتى تخضعه وتقلصه فيسمح لقصص قيد الولادة أن تكبر؟ يا أيها الحي على الهوامش، استعر من النص ما تملك… واكتب بين السطوربحبر… إياك والكتابة بقلم رصاص… لا تصغر وترتضي بضيق الهوامش… كن أنت القصة بكل تفاصيلها… لا تنتظر… فإن لم تتجرأ على النص فلن يكن لك ما تعيشه لترويه. كل القصص مباحة…. وفعل الانتظار حتى يروي أحدهم ما يشبهك هو ليس فعل أبطال قصة…. بل حشوات تطيل النصوص المشوهة لتجعل منها قصة لا تسمن ولا تغني من جوع. إن ارتكبت خطيئة سرقة قصة ليست لك، فلتعترف بجلال ذنبك... ولتحمل وزره زهوا، ولترمي بكل وجودك في القصة لتحرف مسارها حيث تريد لها أنت أن تمضي ولتكن أنت القصة!




83 views0 comments

Recent Posts

See All