top of page
Search
  • Saba Almubaslat

اللّامُبالاة

لكل شعور ضد، أو هكذا نظن نحن البشر. والضد ليس شيء بذاته... هو فقط غياب الأصل، إذا ما كان لكل شعور أصل متجذّرٌ فينا هو أقرب لبشريتنا من ضده! ولغايات التخيّل الذي من شأنه أن ‘يؤنسن‘ وجودنا، سأفترض أن الأصل فينا هو الحب، والخير، والسكينة، والفرح أو حتى الرضا. يستيقظ قبح الكره فينا، حال غياب الحب التام. نتحول من أخيار إلى كائنات قادرة على الشر عندما لا يبقى فينا من الخير أثر. وعكس السكينة يتجلى عند غياب ما نسكن إليه، سواء أكان خارجنا أو فينا... هي حالة من النّزق الذي يصيبك بالاختناق وكأنك على وشك الخروج من جلدك! أما الحزن، فما هو إلّا شُحّ الفرح وغياب ما ومَن مِن شأنهم أن يرسموا فوق ملامح الروح ابتسامة... هو ذاك التّهدّل في الأكتاف والانكماش إلى الدّاخل... هو ارتخاء زوايا العينين للأسف مثقلتان بحِمل الدمع!


الطبيعي أن نعيش كل المشاعر فينا على امتداد المَسير فوق خط الحياة، فتسترجعها قسمات الوجه و خلجات إنسانيتنا من أدارج الوجود. أمّا ضِدٌ أَيٍّ منها، فتُراه مَاكِثٌ في الخارج يتربّص. ينتظر انسداد كل الأدراج وانسحاب الإنسان فيك لِيُطل بقبيح وجهه. هو يقتات على الموت المؤقّت للشعور المُتأصل فيك. وكلما طال الموت المؤقت، وجدت عكس الشعور يتمدد... يكبر كما عشبة جهنّميّة، تحاول بكل ما أُوتيت من قوة أن تبق الأدراج مغلقة حتى لا يباغتها الخروج المفاجئ لجميل الشعور، فيُضطرّها للموت خجلاً من شديد قُبحِها.


مع الوقت وبعض من عمر... مع تَيَقُّظ الصوت الداخلي الذي يشير بإصبعه نحو السبيل إلى منتهى الإنسانية ، نصبح أكثر قدرة على قراءة مؤشرات الموت المؤقت للمشاعر الأصيلة فينا. يَرُدّنا هذا الصوت لصواب الطريق نحو الإنسانية كلما اشتم قباحة الضد أو عكس الأصيل، أو ما تراه سيتفتّق عن غياب الجميل داخلنا. إن شَحَذتَ الصوت، كُنتَ منهم! هؤلاء المهتدون إلى سواء السبيل.


أما الآخرون، هؤلاء الذين يعمدون إلى خنق الصوت في دواخلهم حدّ الموت، تُراهم وهم يتحوّلون لأرض خِصبة لا تُنبِت إلّا تلك العشبة الشيطانية الجهنمية. هم يَستَعذِبُون القبح بكل ما لَبِسَ من الأوجه. يُمعِنُون في الكره والشّر.. يضربون الأرض بنزقٍ وكأن خطاهم تملك ترابها، وينثرون الحزن بِذراً أينما حلّوا... هم يُوصِدون الأدراج بكل ما أُوتوا من قوّة ويعتنقون غياب جميل الشعور دِيناً. وما الجهاد لإبقاء الحياة بإنسانيتها على قيد الوجود إلّا حرب بين من اهتدوا ومن ضلّوا إنسانية السبيل.


إذا نظرت بعين القلب، ستجد بين الفريقين بقايا وخيالات مَن أنهكهم الخير فيهم، وهم يحاولون بكل ما أوتوا من إنسانية أن يهزموا الشر.... تجد في ملامحهم ما يستوقفك جَبراً... عيونهم قد أذابها فرط البكاء على ما ومن مات من جميل الشعور... رقّت أجسادهم أسىً على حال من ضَلّوا ومن ضُلِّلُوا فترى من وراء رقيق الجلد بقايا فؤاد، أنهكه وَجَلُه وتسارع نبضه وهو يركض حول المكان، كل المكان يحاول أن يقتلع تلك النبتة الشيطانية التي ما تفتأ أن تمسّ ركن من إنسان، حتى تضرب فيه جذور... تُراهم وقد انحنت ظهورهم من كثرة ما حمّلوها من خطيئة لملموها من فوق الصراط ليلقوها وراء حافّة الوجود علّها تغيب فتخلي السبيل لخير هنا وحب هناك وكثير من فرح!


كم أخشى على هؤلاء أن يبقوا عالقين بين البينين... فعندما تفقد القدرة على أن تكون جزءا من جميل الوجود... عندما ينهكك جمالك فلا تقوى على هزيمة قبيح من تجرّدوا من إنسانيتهم، عندها تحيا برسم الموت، لتموت وأنت لا زلت تتنفس، رمياّ باللامبالاة! كم هذا قاسٍ!


أقسى وجود هو ذاك المُنسحب من الحياة... هو ذاك الذي يتوقف عن الأمل بعد طول محاولة... هو ذاك الذي يرمي من يده معول الخير أو ريشة الحب أو أشعار الفرح... أصعب أشكال الوجود هو ما قد نبقى فيه بعد كثير كثير من المحاولة، بعد التوقف عن المحاولة، بعد اليأس من المحاولة... لا نفعل شيئاً... لا نقوى على الحب ولا نأبه أن نأتي بضده ... لا نطرب فرحا ولا نجد من الدمع ما نروي به الروح... لا نحن ساكنون ولا بنزق قادرون أن نثور.... أصعب الوجود هو ذاك الذي تراه عالق بين البينين... في مساحة ضيقة حيث لا تأبه أن تكون... أقسى أشكال الوجود هو ذاك المصاب بعضال اللامبالاة!




40 views0 comments
Post: Blog2_Post
bottom of page