Search
  • Saba Almubaslat

الوَصِيَّةُ المِئَة

كنت أنظر إليها وهي تستعد للسفر. تقتضي طبيعة عملها أن تسافر لأماكن مزقتها الحروب أو أرهق وجهها جفاف أو شق صدرَها زلزال. تحاول أن تُقنع نفسها أنها تذهب لهذه الأماكن وفي جعبتها حلّ لفتاةٍ حُرمت من الدّراسة أو لِقريه أَرهَقها العطش أو لأطفال ابتَلَعت الأرض في لحظة غضبٍ أَهلِيهم.


اعتادت هي قبل كل رحلة أن تكتب وصيّة وتتركها حيث سيبحث مَن بعدها عن بقاياها، إن هي لم تعود. تسع وتسعون وصيّة كَتَبَت، قبل تسع وتسعين رحلة، لم يُقرأ أيٌّ منها... مزّقتها جميعا بسبب العودة والبقاء في قيد المكان. أَنظُر إليها الآن وقد غَادَرتُ جسدها... تَجلِسُ بعد يوم طويل شاق من حَزمِ ما تبقى من اليوم وما تيسّر من نزير متاع سيرافقها إلى حيث تيمّمُ وجهها... تجلسُ إلى أوراقها وقلمها لتكتب وصيتّها كما اعتادت.


تَهُمّ بالكتابة وتُطيل... مهلاً... مهلاً... لماذا تَوَقَّفَت؟ ما بالكِ تمزّقين ما كَتَبتِ؟ آها! إنها تُفَكّر. جُلُّ الوصايا من قبل كانت لولديها... لم تكتب لأبيها وأمها من قبل. الوصية المئة ستكون لهما. كتبت بتسارع تركها لاهثة متعبه... أكاد أسمع وقع الأحرف وهي تهرول من كل ماضيها وعميق ذكرياتها مُنطلِقة بعد أن تحرّرت من طيات الروح لتصطفّ كما لو أنّها في حالة تأهب على الأوراق... طوت الأوراق... أطفأت الضوء إلى جانبها ونامت! اليوم، قررٌتُ أن أتسلل خلسة ما أن أستودعها إلى أحلامها لأسترق النظر إلى وصيتها... فعلٌها تسامحني... إليكم ما كتَبَت:


"أبي... أمي... أكتب إليكما مودّعة فيما لو لم أعد. أكتب لأقول اشتاق لزمن كنت فيه طفلة، ولعمر كانت همومي بسيطة كما عمري... زمن كانت فيه جل همومي تزول عندما أجلس بين يدي أمي لتجدل شعري. أتمنى لو أني لم أكبر، لكن العودة للوراء هي خارج حدود التمني المعقول. ياأبي أخذتني الأيام عنوة فصارعتُ الحياة شر صراع... يا ليتني مازلت صغيرتك أركض إليك فتضمني وأنت الكبير لأشعر أن كل شيء على ما يرام... وأن الوحع إلى زوال... وأنّي إذا نمت باكرا سيأتي الصباح أجمل يضحك...

أعترف أني خبأت عنكما ألف سر وسر، ليس خشية منكما ولكن خوفا عليكما. منذ كبرت، ماعدت أركض إليكما عندما أكون غاضبة، ماعدت أبكي لكما إن تألمت، ماعدت أظهر عجزي إن انهزمت. صرت أخاف عليكما مني، فأتقنت فن التظاهر وتعلمت كيف تغطي مساحيق الكذب بقايا الجراح. الآن وقد كبرت، ماعدت أستطيع أن أزحف لحضن إن أنا كُسرت!

أمي... أبي... أحن لضعفي أمامكما، وأشفق عليكما مني... أنا لم أكن يوما الابنة (الهنيّة). كنت أصر دائما أن أفعل الأشياء بطريقتي، وأن أنظر بعين الحياة وأقارعَها... أن لا أؤمن بمسلمات حتى أصل لقناعة وأن لا أرضى بما هو مقبول إن لم أقبله! لم تكن رحلتي سهلة ولكنها كانت رحلتي فأحببتها بقليل حلوها أو كثيره وكثير مرِّها أو قليله، لأنها كانت من صنع يدي. أعتذر إن كنت مرهِقة، أعتذر إن كنت قد أرهقتكما، لكني لاأعتذر عن أي من خيارتي، فهي الشيء الوحيد الذي أملك بفخار.

أبي... أمي... إن غادرتُ قبلكما، فكفّناني بحبٍ وحرير، وأحرِقا البخور ذكرى لشوقي وشقائي، واشربا الحياه نخبا كلما مر صبا الصباح عليكما وأنتما تحتسيا القهوة عند الفجر! ففي كل مرّة كنت أعجز أن أجد على الأرض ما يستحق الحياة، كان يبقيني الأمل بأن في الموت ما يستحق الانتظار"

-انتهى-


أففف.... كم في كلماتها من تعب... لمن لا يعرفونها، هي امرأة منتصرة حدّ الثمالة... عاشت الحياة خياراً وتأهّبت للنهايات إيقانا... انكسرت ولم تقع... أتقنت إخفاء هزائمها! طوبى لها...


هذا ماكتَبَتْ... هذا ماسرقْتُ من كلماتها عُنوة ، فاقرؤه بوقار...



33 views0 comments

Recent Posts

See All