Search
  • Saba Almubaslat

بَشَرٌ وَقُشُورُ هُوِيّة

ما هي خياراتنا وكيف السبيل لننعم بحرية فكر تفوق حرية الجسد؟ كيف لنا أن نفك القيد الرابض فوق عقولنا، لنصل لمرحلة لا تهيننا فيها الكلمات إن هي اختلفت معنا؟ لماذا نصر أن نشخصن الرأي الآخر ونرى فيه إهانة موجهة لشخوصنا؟ إذا كان الرأي مريضا أو منقوصا، فهو يعكس خيال صاحبه ومخيلته.


كنت أراقب من بعد حوارين، أحدهما يحدث في بلد عربي يشبهني، والآخر يحدث في دولة يقال بأنها "عظمى". الأول ابتدأ في مجلسٍ رسمي، وانتهى قذفا وشتما وتبادلا للإهانات على مواقع التواصل الاجتماعي. الثاني بدأ على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يختلف طارح الرأي ومؤيديه مع قائد دولة يفترض أنها عظمى ويسوقها رئيس يرونه أناسها أنه ليس بعظمتها! في الأول، تم تبادل التهديدات والاتهامات بأن الرأي المطروح يهدد وحدة الأمة ويشرذم تماسك الصف. في الثاني، تعالت أصوات متبادلي الرسائل والأراء على مختلف مواقع التواصل الاجتماعي، وهم للعلم من مختلف الأصول والمنابت بكل ما تعنيه هذه العبارة من معنى، إلا أن أحدا لم يأتي على ذكر ضرب وحدة الصف أو أن خطرا يتهدد الهوية الوطنية التي تجمع المختلفين على أرضية مشتركة!


ما بالها هويتنا يتهددها أي اختلاف في الرأي؟ هل هي حقا بهشاشة من يستخدمونا فيلوحوا بها في وجهنا كلما اختلفنا في الرأي؟

هويتنا أعظم من ضعاف الهوية! هويتنا عروبة وأرض وتاريخ لم يحمل أجدادنا فيه جواز سفر. هويتنا أنهار شقت وجه الأرض العربيه بإصرار لتقول لنا أنها تجري كالشريان غير آبهة باختلافاتنا أو حتى خلافاتنا. فمن منكم يستطيع أن يوقف جريان الفرات وهو يحمل الشوق من سوريا ليهمسه رساله حب في أذني ضفافه في العراق؟ من يستطيع ان يتحدى رحلة الرمال تغادر أرضا لترسو بأرض؟ لماذا تصرون أن تخلطوا الأمور حتى يستحيل تتبعها تحري مدى صدقها؟ بتراؤنا شقت بطن الصحراء وأعلنت أنها هنا قبلنا، وسنغادر جميعا وستبقى هي! هويتنا أكبر من شخوص تعتبرونهم رموزا لعروبتكم أو دينكم. أنا لا أحتاج لصنم رجل حتى أؤكد عروبتي، ولا لوسيط بيني وبين إله يحمل توبتي إليه ويعود لي بصك غفران. الله والأرض لايحتاجان لوسيط بيننا وبينهما! هويتي لا يهددها شخص قرر أن يطعن قاصداٍ أو لمجرد جهله برواسخها، فالهوية امتداد لكينونة، تتشكل كما الجبال عبر الزمن والأجيال، لا يهددها مارق أو باحث عن شعبية، ولا يخلخلها من يغير هويته كثوب، كلما أصابه دنس من منصب اعتلاه أو دعم تلقّاه!


نجرم بعضنا إن نحن اختلفنا في الرأي. نكفر الآخر إن لم يصلي في معبدنا، ومعابدنا صارت تنتمي لشخوص. اختلطت معابدنا بمموليها، وما عدنا نعلم لمن نصلي. اعتقونا من التبعية للأفراد ولنكن أحرارا في ديننا ودنيانا. عملي أحمله حول عنقي أقابل به ربي فيحاسبني وحده. لست أنت من يصدر الحكم فيعلنني مؤمنة أو كافرة. الله الذي أُحب رحيم، حكيم، هو محبه وعدل. محرابي هو ذاتي أنهاها عن الخطأ محبة في الله لا خوفا منكم. إن نحن اختلفنا في الفكر، أو الطرح أو الرؤية، فليس بالضرورة أن نقتتل. التطرف في الانتماء لحد العنف، لن يقرب وجهات النظر ولن يديم أوطانا. وفي السياسة، إن هم اختلفوا مع البعض فَعَلَت أصواتهم، فنحن فقط من نُلام، لأن المنابر ما كانوا ليعتلوها لولا أنا وهبناها لهم، ونحن نعاني غيبوبة وعي!


وأعود للهوية!!! لماذا بات يتهددنا هذا الهاجس؟ وكيف نعرّفها؟ هل هي حقا جواز سفر؟ نتحدث في الأصل والعرق والدين وغيره وكأن كل منها على حدى يشكل المكون الأساس لما نطلق عليه هوية. اختلفُ في الرأي!!! هوية أي منا ليست حصرية، وأي محاولة لتضييق تعريف الهوية ما هي إلا احتلالا لاستقلالية الأفراد في محاولة لشق الصف وتقسيم الكل ليصبح أجزاءا كل واحد منها ضعيف هش لا يقوى على الصمود. لكل منا هويات مختلفة، تتقدم أحدها الأخريات وفقا للموقف أو النقاش الذي نخوض، ولا تلغي أحدها الأخرى. هذه الهويات تسمح لنا بالانتماء لمجموعات مختلفة تشكل كل منها جزءا من الكل، وهي لا تناقض بعضها الآخر، بل على العكس، هي توسع وتنوع ما ننتمي إليه وبالتالي ما ندافع عنه. والدفاع عن معتقد أو رأي سياسي أو انتماء حزبي، أو حقوق إنسان أو عمال أو غيره، لا يكون في رفض الآخر والتعامل بفوقية تفرض أن كل من اختلف معي بالرأي هو عدو وجب علي كرهه ونبذه وتجريحه وصولا لكل ما يمثل أو يشكل أو ينتمي إليه.


أنت أيها المتشدد في الرأي لحد الرفض، ماذا تقول إن أعلمتك سرا أني بقرار أمتحن كل المسلمات؟ أي حكم ستطلق عليّ إن أنا أعلمتك جهراً أني بحاجة لامتحان المعتقد واختبار الموروث، والثورة على الهوية، حتى أعود لأشكلها فتكون لي... تمسي خيارا بملئ الإرادة وليس فرضا بحكم الولادة ولا إعلانا سخيفا أو أغنية وطنية أو كوفية حول العنق لانتماء ضيق. فقط عندما نختار هويتنا بوعي وعلم، عندما نمتحنها لحد يسمح لنا أن نعتنقها و نقدسها تصبح راسخة فينا رسوخنا في ذواتنا. عندها فقط لا يتهددنا رأي مخالف ولا يهدد وحدة الصف صوت يغني لحنا مختلفا.


الله يرحمك يا محمود درويش، وقد يكون موتك فيه رحمة لك، حتى لا ترى ولا تسمع... من كلماته في قصيدة "اغتيال" والتي أكتبها إعلانا بأنه ابتدأ يمتحن المسلمات، أسرق سطرين يلخصان النقاش.... " فإذا مَشَيتُ على طريقٍ جانبيّ شارداً قالوا: لقد خان الطريقَ وإن عثرتُ على بلاغة عُشبَةٍ قالوا: تخلَّى عن عناد السنديان وإن رأيتُ الورد أصفرَ في الربيع تساءلوا: أَين الدمُ الوطنيُّ في أوراقهِ؟ وإذا نظرتُ الى السماء لكي أَرى ما لا يُرَى قالوا: تَعَالى الشعرُ عن أغراضه" وأصمت....



43 views0 comments

Recent Posts

See All