top of page
Search
  • Writer's pictureSaba Almubaslat

تَمْثِيل الأَدْوَار


تُلمْلِم حقيبة يدها، هاتفها، شالاً خفيفاً تحسُّباً من تقلُّب الطقس في هذا الوقت من السَّنة... هي تعيش في مدينة لا تمايُز بين فصولها... كل شهورها مشوبة بذات الموجات من التّعب... وهبّات، مفاجئة وغير مفاجئة، من إحباطٍ يَعصِف بها أثناء النَّهار، وضبابٍ من أرقٍ وخوفٍ من المستقبل ليلاً. بالرغم من كلِّ المحاولات لإعطاء الفصول حقَّها من الاختلاف، إلَّا أنَّ الجوَّ العامَّ مهما تغيَّر اسم الشَّهر أو الفصل، يكاد يكون هو هو! اليوم لا يختلف كثيراً عن الأمس أو الغد، إلَّا بمقدار الجوع، وشحِّ الرِّضا وتضاؤل الأمل!


تغادر منزلها... لا يحرِّكها إلَّا هاتفها الَّذي يقطع الصَّمت وامتداد الملل بصوت رنين رتيب يذكِّر بموعد المغادرة، إن هي أرادت الوصول في الوقت المحدَّد... يجب أن تتحرَّك بسرعة رغم الملل... يقولون لها أنَّ ازدحام الشَّوارع يكاد يكون خانقاً هذا الوقت من اليوم... هي في الحقيقة تراه، كما المدينة، خانقاً كلَّ الوقت... لكنها لا تأبه أن تُدْلي بدلوها بهذا الشَّأن... لا أحد يهمّه رأيها في هذا الشّأن! هي زائرة فقط، وتنوي البقاء كذلك! تَصل إلى الباب الخارجي... تنظر كما تفعل كلَّ مرَّة تغادر حيث تسكن... تبحث عنه... رجلٌ طيِّبٌ مسنٌّ، داهم الشّيب رأسه فأمسى كتاجٍ "ملكي" من فضة لامعة تعتلي رأس إنسان لا يملك من الدُّنيا إلَّا الشَّرف والعفَّة... هو في نهايات العقد السِّتِّين من العمر... يخْلُد مَن هُم مثله للراحة، لكنَّه يدرك أنَّ في مدينة الَّلافصول ليس ثمَّة مكان للراحة في فسحة العمر اتسعت أمْ ضاقَت! تفتح باب السَّيَّارة... تُسلِّم عليه كما كلَّ مرَّةٍ مُذْ أَنْ تعارفا... همهمة سلامٍ، وسؤالٌ عن الحال، ثمَّ يمتد الصَّمت... هي ليس لديها ما تقول، وهو قد تنازل عن فضوله منذ أن التقيا، وآثر أن يمارس الصَّمت علَّه على الأقل يَنْعم ببعض الهدوء وسط شقاءات الدُّنيا... أو يحصد جرعات من سلام نسبي وهو لازال يكدح كما قُدِّر له على امتداد الحياة، وصولاً للنِّهاية...


يمضيان... هو يُمثِّل أنَّه ليس تَعِب رغم ما مرَّ على وجهه ويديه من سنين حفَرَت خرائط أيَّامها ورسَّمَت حدود شقائه بشكل غير مُتْقَن... وهي تمثِّل أنَّها مشغولة وأنها تحرِص أن تصل لمكان اجتماعها في الوقت المحدَّد... هو يتظاهر بأنَّه يحاول التَّقدُّم في الأزمة الخانقة بضع مترات فيراوغ ما توقَّف من سير حوله، ليقنعها بجدِّيَّة عمله -طبعاً دون طائل. وهي تُمثِّل أنَّها قلقةً أكثر من تأخُّر وصولها في الموعد المحدد لِتُقنعه أنَّها هنا تقوم بعمل مهمٍّ، رغم لا مبالاتها!


حقيقة الأمر، هو يتقدَّم كما يشاء الطَّريق له أن يتقدَّم غير آبه البتَّة بمرور الزَّمن أو تأخُّرها عن موعدها، وهي لا تأبه البتَّة إن هي تأخَّرت أم لم تصل أبداً... أكاد أجزِم أنَّها تتمنَّى لو أن الوقت يضيع انتظاراً لتملك حجَّةً مقنعة تعتذر بموجبها عن الحضور وتتجاوز بمقتضاها ألَم مزيدٍ من الملل إن هي وصَلَت!


يجلسان... بصمت... كلٌّ منهما يتابع تمثيل دوره على أكملِ وجه... هو يقود غير آبه، وهي تجلس في الخلف غير آبهة... كلاهما يشغله ألف ألف شيء... أو لا شيء... المهمّ أنَّ ما يشغلهما ليس ما يدَّعِيان... ويبقى الحال على ما هو عليه... لا هو يتقدَّم... ولا هي تَصِل!




52 views0 comments

Recent Posts

See All

Comentarios


Post: Blog2_Post
bottom of page