Search
  • Saba Almubaslat

شعور ورشفة من نبيذ...

هي أول رشفة... أمسك الكأس أدوره حتى أتنفس حمرة النبيذ... أتنشقه عبقا... أحاول تنفس ترابا نشأ ونضج بعض الشئ فيه قبل أن يتحرر من الكرمة والعناقيد...أحاول أن أتنفس عبير أيد لملمته بحنان... وأقدام نساء راقصات، رفعن الثوب وكشفن أرجل لوحتها الشمس مع العنب... تمتد إلى اللانهاية... داسته ليخرج قطره ممزوج بقطرهن!


لابد وأن تغلق عينيك وأنت تتنشق... هي الرؤية للداخل ما يأخذك لأراضين حَوَت جذور الكرمة قبل أن يسافر هذا النبيذ من حيث أتى وينصب سلسبيلا في كأس تمسكه أناملك برقة... والكأس... أه أيها الكأس... رقيق البلور شفاف كما البرزخ... لا يحاول أن يغطي عورة النبيذ ففي عورته كل القدسية!


أنزل الكأس قدر أنملة من حيث كنت أنشق العبق إلى الثغر... أقارب البلور للفم دون أن أسمح له بملامستهما... فليس الكأس ما أريد أن أستشعر، بل أول دخول للنبيذ إلى فمي. وكأنه دفء خجل... محتار بمذاقه... أحن عليه فآخذ رشفة رقيقة خجولة. أحتضنها وراء الشفتين تحت اللسان أدفؤها... أدعوها بأن تنساب في كلي وفي رأسي وفي روحي... علها تهدئ نبض القلب فيتمهل النّفَس دخوله المتواتر السريع لداخلي المتأهب دوما للهجوم. أتذوقه ويتذوقني فيعطي كل واحد منا للآخر بعض من عطر... يقبلني فأدعوه لداخلي لجوفي حيث الأرض التي حرمتها إلا علي! وبعد الرشفة الآولى يزول الحجاب وينساب الشعر ليلا ويتمايل الخصر بغواية على نغم النبيذ... أشعر بخفة، وكأن قيودا كانت تكبل اليدين والقدمين قد كسرت... في النبيذ نغمة يرقص القلب على دقاتها فيتحرك الجسد حرا غجريا منفلتا من كل شيء حتى جاذبية الأرض والقدر...


وكذا بعض الشعور... تتذوقه خجلا وكأنك تعلم أنك تسرق ما ليس لك حق فيه... ترشف منه القليل حتى لا تدمنه فيصبح لا قيامة لك إلا فيه وفيه كل الهلاك. ترشفه رفقا فيه وفيك... قليلا قليلا وتريد أن تستزيد...لكنك تخاف... يَجَل القلب من جلال الشعور... فتخشع مدركا أنك كما فراشة تهيم لا قدرة لك على التوقف تتجه بقلب باسم يتألم وجسد من فرط فرحته مسّه نمنمة تسللت من أخمص القدمين إلى الجوف فما عدت تشعر فيه بل صرت أنت الشعور... تتجه نحو النور فتقترب وتقترب وتقترب ثم آه وعلو ونشوة وذوبان في المحرم من نور... وهلاك من فرط النشوة لا حياة بعده إلا فيه.


مخيف هذا الشعور برغم عذوبته... تعلم أنه تفاحة حلوة محرمة طرحتها شجرة المصادفة وسيرّتك الدروب من حيث اللامكان إلى حيث هي... دروبا صمتّ فيها طويلا عن الشعور وعندما طرحته رحم الحياة جاء محرما ليس منك وليس لك... فلتغمض العينين حياءا ولتقبض على القلب بيديك فلا تأتي منكرا... فليس كل الشعور حلال... بعضه حرام حتى وإن كان في قليله ما يحي الفؤاد.



23 views0 comments

Recent Posts

See All