Search
  • Saba Almubaslat

ضيق الكلمات

وكأنّ الكلمات اختَنَقَت في الحلق فلا هي قِيلَت ولا عادت أدراجها لتسكن إليك في صمت... هناك الكثير ليُقال لكنّك أضعف وأكثر تعباً مِن أَن تَنظم الشعور وَصفَاّ أو تَفِيض بما يعتمل في عقلك وجوفك والكل منك... تخشى إن أنت تكلمت أن تتفوه بما لا يتعين عليك التصريح به، فبعض الكلمات إن سُمعت لا تُلَملَم من جديد... وتخاف إن أنت حبستها أن تقتل جزءا منك، تسممه فلا يعود يكون.

هو هذا الشعور الذي يسبق الاختناق... الشعور بالعجز عن التوصيف أو التعبير أو حتى الصراخ... تموت أجزاء منك رويدا رويدا فلا يبقى منك إلا الجسد وكثير من شعور لم يحيا حياة كاملة، وبعض البقايا و الأسئلة...


ماذا لو؟! وكيف لو أن الأمور كانت مختلفة؟ أسئلة وأسئلة ومزيد من أسئلة لكن لا صياغة ممكنة ولا تساؤل سيجيب عما تفكر فيه. كم نحن ضعفاء! نكاد نعرف تماماً مالذي يدور في دواخلنا لكننا نخشى إن نحن سألنا أن نسمع أفكارنا تخرج منّا فتناظرنا في العين فلا يصبح تجاهلها أمرا ممكنا! نخشى كذلك ما نعتقد أنّا نعرف من الإجابة، فإن قيلت، صار من المستحيل تجاهلها... نخاف أن نعرف مع أننا نعرف ونرتضي بأن نموت خنقا بالإسئلة وشنقا بالكلمات على أن نعترف بما تحمل في طيّاتها من أجوبة تنهي التحليل وتنهينا معها.


نختار في كثير من الأحيان أن ننعم بموتنا إنكارا على أن نحيا حقائق نعرفها لكن صممها لا يُسمع فتذوب في جوف من حملها لنموت ونحن لازلنا في الوهم خالدون. يقولون إن كنت تدري فتلك مصيبة وإن كنت لا تدري فالمصيبة أكبر... ما القول في أن تدّعي أنك لا تدري وأنت تدري؟ وإن فرضنا أن هذا ممكنا، كيف الهروب من وجع الكلمات وهي تعتصر ذاتها ألما تُلِحّ عليك أن أنطقني لأتكلم عنك فتَسمَعني ويأتيك الرد الذي تعرف؟؟؟ دوامة تتقاذفك عندها... تُقِلّ الحديث، لأنك تدرك ما يتهدّدك... بعض الكلمات متمرّدة... تنتظرك أن تفتح فمك لتخرج منك دونما استئذان... بعض الكلمات مارقة على العقل.... لا يهدأ لها بال حتى تُقال... بعض الكلمات لا تستسلم لضعفك أو حتى محاولاتك المستميتة لقتلها خنقا... هي تبقى عالقة في الحلق بين الشفتين وجوف يغلي.... تمسك في تلابيب روحك لا تبرحك كما الوتين يعلّق القلب في الجوف... هي لا تموت... فقط تنتظر أن تفتح فمك، لتغافلك فتخرج منك عنوة... هي لا تأبه بما أصابك من صمم... مِلحاحة تريد لأذنيك أن تسمعا ما عَمَت عنه البصيرة...


إياك والمحاولة... فأجوبة الأسئلة الصامتة ما هي إلا قنابل برسم الانفجار!




86 views0 comments

Recent Posts

See All