Search
  • Saba Almubaslat

مُجَالَسَةُ الاِنْتِظَار

صَارَتْ تُتْقِنُ فَنّ الانْتِظَار ومَلْءِ الوَقْت بَين تَبَاعُدِ اللّقاءَات بِكَثيرٍ مِنَ اللّاشَيء الذي هو غاية في الأَهَمّية! صَاَرتْ تَعْرِف كيف تجْعل الفَرَاغات تَبْدو مَلِيئة مُتْخَمة بِالأَحْداث المُتَتَابِعة حتّى تُشْبِع جُوعَ تِلك الفراغات فَلا تَلْتَهِمها... صَادَقَت جَفَاء النّوم، فَجَالَسَت سَاعَاتُ اللّيلِ الطّوَال وكأنَّهُم رِفَاقُ مَعْرَكَةٍ لا يَخُونُون بَعْضَهم أبداً... لا يَغِيبُون... يَحْضُرُونَ بِانْضِبَاطٍ شَدِيدٍ كُلّ ليلةٍ فَيَجْتَمعُون وإِيّاها مُتَسَامِرِين، حتّى وُصُول الفَجْر مِنْ تِرْحَالِه القَصِير. حَفِظَت هي مَلَامِح وَجْهَ السّقف وَأَمَاكِن التّجَاعِيد والشّقُوق الّتي اعْتَلَت الحِيطَان مِنْ حَوْلِها. صَاَرت تَحْفْظُ جَداوِل الّليل بِكُلّ ما فِيه مِنْ صمتٍ وأصْوَات. هِيَ تَعْلمُ تَماماً متى تَمُرّ الطّائِرات لَيْلاً فَوقَ مَنزِلهَا، وهي تَهْبِط مُتَسَارِعَة يَدْفَعُها شوقُ القادمين مِنَ البَعِيد لِلّقَاء، ويمنعها فِي ذَاتِ الوقْتِ قَلَقهم مِنْ خُذلان الوَاقِع المُنْتَظَر لِجَمال الأحْلامِ عَن بُعْد... هيَ تَعْلَم بِدقّة متى يَعودُ قَاطِنو الشّقة فوقها كلّ ليلةٍ مِنْ طويلِ السّهر... دَكّ أحذيتهم فوق صمت الّليل يُطَمْئِنها أنّهُم بِخَير...


هي تَضْبِط خطّ الوَقْت الّليليّ علَى صَوْتِ مِذْياعِ محلّ القهْوَة فِي الشّارعِ المُقَابِل... عندما يُوصِد العَامِل الأَبْوابَ أَمَام عَاشقي القهوةِ، الذّين يَغْوِيهم لَذِيذُ مذَاقها بما يكْفي لِيَختاروا مَذَاقَها ويَدْفَعُون أَرَقهم ثَمناً لِذلِك... يفعلُ ذلكَ تَمَامَ الثّالِثَة والنّصفِ فَجْراً، لا يَسْتأْخر دقيقة ولا يَسْتَقْدِم... يُعْلن انضبَاطَه صَوْت أُمّ كلثوم، الذي يكرّر كلّ ليلة بعالي الصوت "لسا فاكر... كان زمان"... تَستَمر "السّت" تذكّرَه ومَنْ يَخْتَلِسُون السّمع أَنْ يَكُفّوا عن محاولةِ التذكّر، بينما هُو يُنَظّف آثار أقدامِ مَنْ مَرّوا به طِيلَة اليوْم، تحضيراً لِاستقبَالِ أقْدامَ جدِيدة بَعدَ سُويْعَاتٍ أو أَقَل... تَصمِتُ أم كلثوم تَمَام الرّابِعَةِ فَجْراً... تَعْلمُ أنّه خَلَدَ لِنْومٍ قصير... أَحياناً تُحِبّ هي أن تتخيّلَ أنّه مِثلهَا يُجَالِس ساعاتِ الّليل يحتسي وَإِيّاها آخِر قَدحٍ مِنَ القهْوَةِ قَبْلَ أنْ تَخْتَفِي مُخْتبِئة تحْتَ دِثَارِ النّهَار.


أمّا الإِعْلان الثّاني بِقُربِ مُغادَرة رِفَاق الّليل الطّويل، فَتأْتِيهَا مِنْ إمَام المَسْجِد المُجَاوِر... هذا الأَخِير لَا يَتْبَع سَاعَة يَدَهَا، بلْ ساعَة السّمَاء... تَتَغَيّر دَقَائِقه وِفْقاً لِحَركَةِ الأَرْضِ وتَعَاقُبِ الفُصُول واخْتِلاف -أو اتّفَاق- الّليل والنّهَار. لَكنّه عَلَى أَيّ حَالٍ يَأْتِي بعدَ أَنْ تَصْمِت أُم كُلثوم، وَقَبْل أَنْ تَذُوبَ سَاعَاتِ الليل بِنَيّف... يُنادي فِيها وفَي النّيَام أنّ الوَقْتَ قَدْ حَان... تَهْمِسُ للمؤَذّن "مَاذا عمّنْ لا ينامون؟ ماذا تُرَاك تُعْلِن لَهم؟"


تَنْسَحِب سَاعَات الّليلِ مِنْ حَوْلِها... تُوَدّعَهّا وَاعِدَة بِالعَوْدةِ إذا مَا امتدّ بِهَا النّهار لِتَصِلَ إلى حَيْثُ تحيا لَيلاً... تُوَدّعُ هِي السّاعَات على أَمَلٍ صَامِتٍ أَلاّ تَلْقَاها وَلَوْ لِلَيْلة... مَنْ يَدْرِي... قد يزُورها النّوْم الّليلة مِنْ بَابِ التّغْيير... تَتَبَسّم بِتَهَكّمٍ مِنْ رُعُونَةِ الفِكْرة... تَلْفِظها مِنْ رَأْسِها الذي بَاتَ يُهَلْوِسُ بما لَا يَجُوز... النّوم... يا للحَمَاقة! تُذَكّرُ نَفْسَها مُجَدّدا أنّها أَتْقَنَتْ فَنّ الانْتِظَار... الانتظار الّذي لَا يَعْقَبْه سِوَى مَزِيدٌ مِن انْتِظار... لا يُؤَرّقها قليل النّوم أو شَحِيحِه... صَارِتْ والّليْل جَلِيسَيْن... هُمَا مَعَاً يَنتظِرَان... هُو ينتظرُ الفجر... يأتِيه ما ينتظره عُقْبَ كُلّ انْتِظَار... وهي! تُرَاهَا مَاذا تَنْتَظِر؟ مَاذَا تَنْتَظِر؟! همممم... أَخْشَى أَنّهَا لَمْ تَعُدْ تَذْكُر!



39 views0 comments

Recent Posts

See All