Search
  • Saba Almubaslat

هرمنا

الآن وقد عاش من العمر كثيره، بات يصحو باكرا كل يوم. يجلس بجانب النافذه قبل شروق الشمس، بيده سيجارة ينفث دخانها، عوضاً عن التأفّف مما تركته الحياة من خطوط على وجهه وآثار في قلبه. يرشف القهوة مُرّة من فنجانه، فمنذ أصابه السكري، ما عاد حتى يضيف السكر ليخفّف من مرارة الذكريات.


عمل حتى شاب الشعر... جنى من المال ما جنى، وأنفقه كله دون ندم. فلأبيه عمّر بيت، ولأخيه اشترى شبكة الخطبة، وعلّم الأخت والأخ والابنة والإبن، وما اشتكى يوما. أعطى دون حساب. ولم تكن عطاياه كلها مالا، بل حبّ لصغير ورأفة بكبير، فحمل الأب مريضا، وقطع التفاحة له لقما صغيرة ليستطيع مضغها دون جهد. بقي صامتا صابرا راضيا وهو يرعى الجميع، لم يشكو يوما ثقل الحمل، بل على العكس، عمل ما عمل وقدم ما قدم بحب، غير منتظر لأي شيء بالمقابل. والآن... لم يبق في العمر الكثير.


تراه يراجع حياته. ينظر لماضي الأيام يسألها أين ذهبت. يحمل جسده التّعِب من تفاهة الحياة، وروحه تحوم في الماضي الذي كان به فتيا. يبحث في المرآة عن ملامحه التي حملها يوما، الآن وقد علاها الشيب والتعب وحزن من هزيمة هنا وخسارة هناك. يحاور ذاته كل صباح، يسألها، أين تراني أخطأت؟ لماذا هم لم يقدروا ما قدمت؟ لماذا بات الأخ غريب، والابن بعيد وما من صديق؟ أين أخطأت؟ يشعل سيجارة أخرى... يطبق عليها بأصابعه ويأخذ نفسا عميقا... يحبسه... يزفره بهدوء وصمت، والذكريات تنساب مع الدخان لا تجيب السؤال... تشفق عليه ذاته فتجيبه...


يا صديقي، أنت لم تخطىء، هم من اعتادوا أن يأخذوا دون مقابل. يا صديقي، أنت لم تخطىء، هم جاحدون هذا طبعهم. ولو أني عدت بك للوراء فلسوف تعطي من جديد ودون مقابل.


هذه الحياة غريبة، فَمِن البشر من يفنون حياتهم ليعيش الآخرون، وآخرون لا يُعطون لأنّ أرواحهم جافه كصحراء لا ينبت فيها زرع. لا تندم... لا تندم... هنيئا لك فأنت إنسان. لا تجزع ولا تخف فأنت لست وحدك. فالأرض فيها من يُعَمّرون ويعطون. عش بقية العمر قريرا مسرورا، فأنت لم تؤذ أحد، ولم تسرق لقمة من فم جائع، ولم ترتكب من الذنوب كبيرها. لا تندم!


يا أيها الصابرون على الحياة وقسوة البشر، هنيئا لكم، فقد حملوا ذنوبكم عنكم. يا أيها الراضون بقليلها وقد ملكت أيمانكم فيما مضى كثيرها ووهبتموه دون حساب، تنحني تحت أقدامكم الحياة، فمن يهبوا يرسمون الدرب ومن يأخذوا بجحود لا يتركون وراءهم غير ظل ثقيل، ترميه الحياة لأسفل أرض فلا يبق لهم ذِكر. أنت يا من أعطيتَ عمرك للحياة، أنت يا من وهبت الحب لمحزون والأمل لمثكول والخبز لجائع، هنيئا لك. ستصطف أرواحهم حولك تحميك وأنت تغادر إلى حيث لا حاجة لشيء إلى الدعاء.


إرفع رأسك وامش في الأرض ما تبقى من الدرب غير آبه بجاحد أو خائن، ولتتركهم لدود الأرض! أيها المعطي دون حساب، ترفق بنفسك ولا تقسو عليها... أنت لم تخطىء، هم فقد جاحدون. أنت لم تخطىء، هم أشباه بشر... إرفع رأسك وامش في الأرض ما تبقى من الدرب رفيقا بنفسك، حنيا عليها. وابتسم، كلما تساءلت إن أنت أخطأت... ابتسم وتذكر، أنت لم تخطىء، هم فقط أشباه بشر!






11 views0 comments

Recent Posts

See All