top of page
Search
  • Saba Almubaslat

لو

Updated: Jan 10

لم يعد هناك الكثير ليُقال.... في مرحلةٍ ما من الحياة، ينتابنا شعور بأن الكلمات فقدت قدرتها على التعبير عما يجولُ في العقل وما يدور من حوارات بين الروح والروح، فما عاد الكلام يجدي نفعا ولا عاد المكتوب من الكلمات يقول جديداً. أو أن من تخاطب ماعاد يفهم فأصبح ما تفيض به صدقا ليس أكثر من صوت لا موسيقى فيه، تشابهت كل نغماته فخرج منك أصما مجردا لا يقول شيئا على الإطلاق. تشعر فجأة أنك بدأت تكرّر نفسك وتعيد وصف شعور أنت عالق بين أضلاعه، أو عساه هو من علق بين أضلعك. عندها تحزن على مساحات الأثير والأوراق فتمتنع عن الكلام، تهدأ عموما، وتبدأ بالنظر حولك ببرود يصل حد اللامبالاة.


تصبح وكأنك خارج جسدك يمشي هو لكنك لست بالضرورة تمشي معه بذات السرعة أو بنفس الاتجاه... تصبح نوعا ما أخف... تبدأ أنت الحقيقي بمغادرة جسدك كما وكلما يحلو لك، فتجول أماكن لم تجرؤ أن تطأها من قبل. أماكن قد لا تكون بالضرورة حيزا ملموسا بل فكرة أو فكرا مجرّداً... أماكن تَحنّ إليها من ماضيك تستحضرها كأرواح قديمة وتجالسها وتحاورها، تعتذر منها إن أنت أخطأت بحقها، تكمل حديثا تركته معلقا لأنك لم تكن وقتها قادرا على أن تنهيه، تسامح من أخطأ وتغيّر نهاية اللقاء الأخير ليكون الفراق بمحبة أو بدون ضغينة... تمنح نفسك مزيدا من وقت لتودع من فارقوا فجأة، قبل الوقت الذي تتمنى، ودونما سابق إنذار... وتعيد ترتيب ما مضى من حياة، طارحا سيناريوهات أصبحتَ الآن أكثر قدرة على تخيلّها وتقبّلها... وتسرح... تسرح في الأماكن والوجوه القديمة... في تلك اللحظات التي صمتّ فيها خطأً فكنتَ من أنتَ عليه اليوم... تلك اللحظات التي نطق لسانك غصبا عنك بما كنت تفكر فيه، ووجدت نفسك بحكم ما نطقت تأخذ منحى كان من الممكن تجنبه...


تسرح... تملك الآن رفاهية الصمت والانفصال عن الجسد، مغادرة الواقع، واستحضار الماضي وإعادة ترتيب الأيام والأحداث وصولا للحظة التي تعيشها لتكون نوعا ما مختلفة، أو إلى حد ما متشابهة مع أين أنت ومن أنت!!! تملك الرفاهية أن تنسج خيالا وتعيش بصمت مع ذاتك متحررا تمام التحرر من قيد الجسد وأطر المكان والزمان... تكتشف أبعادا جديدة تملكها أنت وحدك، تشكلها خيالا وتعيشها بصدق... وتطويها كما كتاب كلما اضطررت للعودة للجسد والواقع، لتكمل قراءتها أو حتى كتابتها عندما تفرغ لذاتك مستمتعا بصمتك!


هذا هو رفاه الخيال وخيال الرفاه الذي يجعل الوجود أكثر خفة، الشعور بالوقت أكثر خفة، وزوايا الأطر أقل حدة... ذاك الرفاه الذي يبيح الممنوع ويمنحك سحر إعادة ترتيب الأوراق بشكل يجعل الماضي أكثر انسيابا... والحاضر حلما يداعب ما تحب والمستقبل ممكنا حلوا عذابا كما تشتهي النفس...


بين الخيال والخيال، تقنع نفسك أن كثرة الانفصال عن الواقع قد يؤدي لرفضه. تقنع نفسك بحتمية العودة إليه والعيش فيه... تقنع نفسك أن "لو تفتح باب الشيطان"، فتعود للجسد وتلتفت للواقع... تترك شياطين "لو" لتعود لشياطين الأرض والقلة المتبقية من الملائكة. تأتي أخبار الدنيا إليك، من قمّة أُممّية هناك ونقاش يبدو بظاهره مثقفا هنا، وجريدة أرهقها إعادة كتابة أخبارها في محاولة لتزييف الحقيقة بشكل رخيص، وصور على صفحات أناس افتراضيون يدّعون الفرح والفضيلة....!


تدرك عندها أن بعض الشياطين أقل دنسا... أن زيف الرواية بين البشر أكثر إيلاما وأن الاختفاء وراء وهم نصف الحقيقة ما هو في الواقع إلّا ولوجا في عمق الكذب... تتعب... تعاود الانسحاب بهدوء... تغادر الجسد خيارا هذه المرة وترحل لزمان ومكان كنت تتمنى "لو" أنك عشته، فتعيشه حلما يقارب الحقيقة وتتمنى ولو لوقت قصير أن تنفصل إلى الأبد... وتبقى تطفو فوق الأبعاد مجتمعة ترسم حياة أكثر حبا، أقل غضبا، لا ألم فيها ولا خسائر في الأرواح... حياة أقل تعقيدا... أكثر سذاجة ربما... أكثر صدقا، مهما كان في الصدق وجع... حياة تستحق أن تُعاش!




43 views0 comments
Post: Blog2_Post
bottom of page